حياتي في حياة أبي
حياتي في حياة أبي
ها قد بلغ الكتاب أجله، واسترد الرب أمانته، فمات أبي بعد أن مدَّ الله في عمره فعاش قرابة قرن من الزمان ومتعني بصحبته نحواً من سبعين سنة.
وسأتحدث عن حضوره قبل أن أتحدث عن غيابه، فكيف كانت حياته في هذا العمر الذي عاشه؟ وكيف كان حضوره في حياتي حين حضر؟ وكيف كانت الفجيعة بفقده يوم فُقِد؟.
نشأ أبي طفولته وبدوات فتوته في بلدته الزلفي، ودرس مثل لداته في كُتَّابها، وكان أول طلبه العلم على يد المشايخ القضاة الذين كانوا يتولون القضاء في البلدة، ولم تكن المدارس الحكومية قد افتتحت حينها.
ولما افتتحت المدرسة الحكومية درس فيها حتى بلغ المرحلة الخامسة الابتدائية عام (1370هـ).
وممن تأثر به وقرأ عليه الشيخ حمود التويجري قاضي الزلفي رحمه الله؛ وكان له رسوخ علمي، وله مع العلم والنسك سمتٌ ومهابة.
ثم ذهب إلى الرياض بعد افتتاح المعاهد العلمية ليلتحق بها، وكان ممن درسه في المعهد الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، والذي جالستُه من بَعدُ واستفدتُ منه، فهو شيخي وشيخ أبي.
وفي هذه المدة صار كاتباً للشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ مدير المعاهد العلمية، وكان الشيخ فَرَضِيا ولُغوياً فاستفاد منه في ممارسة علم الفرائض وقسمة التركات، وكان الشيخ يتولى قسمة التركات، وكتابة الوثائق للناس احتساباً.
ثم درس الوالد في كلية الشريعة وفي المعهد العالي للقضاء، وكان إعجابه وتأثره شديداً بالشيخ عبد الرزاق عفيفي. ثم عُين بعد تخرجه مدرساً في معهد إمام الدعوة فترة طويلة ثم نُقل بعدها إلى معهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها حتى تقاعده سنة (1414هـ).
ثم تفرغ بعد للعبادة والتعليم الاحتسابي، ولذا فإنه منذ تقاعده جلس لطلبة العلم أدبار الصلوات بصبر ودأب وانتظام، وكان له حفاوة بالطلاب وإقبال عليهم، وكثيرا ما يجلس لطالب صغير يقرأ عليه وحده، فإن كانوا عددا قرأ كل منهم في الكتاب الذي يناسبه.
ولم يكن الوالد متوسعاً في العلم ولا في الشرح، ولكنه كان يتقن عرض المسائل وتدريس المتون التي يحتاجها الطلبة في طور تكوينهم، فكان كما قال السخاوي عن بعض أهل العلم: «أخذ عنه خلق من المبتدئين وغيرهم لكونه كان حسن التعليم، لا لطول باعه في العلم»([1]).
وكان بعض القضاة الذين درسهم الفرائض في المعهد العلمي يسألونني أن أحضر لهم الكراسة التي كانت معه حين كان يدرسهم، ويذكرون من حسنها شيئاً كثيراً، فلما وجدتها في مكتبته لم أجد فيها إلا أسطراً قليلة، وأمثلة ومسائل توضيحية، فعلمت أن السر ليس في الكراسة وإنما في طريقة تدريسها.
وكان لطلابه معه ذكرٌ وذكرياتٌ، كتب عنه الدكتور عبد الله بن ناصر الصبيح رحمه الله يحكي فترة تدريسه لهم في المعهد قال: «كان الشيخ بالنسبة لنا مرجعاً لما نواجهه من إشكالات فكرية، وكان أباً رحيماً، ومعلماً موفقاً، ومربياً حسن التربية؛ كان يفسح لنا صدره فنسأله خارج المقرر، ونفضي إليه بما يعتلج في نفوسنا، ويفضي إلينا بعلمه وحكمته.
وكان لا يغضب، فما رأيته خلال ست سنوات انفعل أو غضب من طالب، ولا زلت أذكر ابتسامته التي يواجه بها شغبنا وعبثنا وجدنا، فأحببناه كما يحب التلميذ معلمه الرؤوف به، وكما يحب الابن والده».
وكتب أحد طلابه (راحل) في تويتر: «بعد معايشة عقدين من الزمان، مع الكتاب والقراءة أقولها ناصحاً: مجالسة المشايخ تختصر لك السنين.
ولي تجربة شخصية مع علم الفرائض، فقد قرأته وحدي قرابة سنة، ثم قرأته على الشيخ ناصر الطريري فحصلت في سبعة أيام ضعف ما حصلته في سنة».
وفي معهد تعليم اللغة العربية كان تعليمه للطلاب المغتربين الناطقين بغير العربية تعليم أبوَّة ورحمة وتطامن إلى مداركهم، وعندما لقيت في تركيا المفتين والمشايخ الذين كانوا يوماً طلابه حدَّثوني عنه حديث الابن عن أبيه بعاطفة مشبوبة بالحب والتوقير.
وكان مما حدَّثوني عنه حسن تأتِّيه في تفهيمهم المعاني للكلمات التي لا يدركون معناها، حدَّثني تلميذه الشيخ محمد ثابت نائب مفتي طرابزون أنهم عندما استعسر عليهم فهم كلمة «طين» نزل بهم من الفصل إلى حديقة المعهد ثم سكب الماء على التراب وعجنه بيده حتى صار طيناً وهو يريهم في كل حالة الأسماء التي تصاحب هذا المزيج.
ومن غرائب الاتفاقات أنني عُيِّنت مدةً مدرِّساً في معهد تعليم اللغة أثناء فترة الإعادة في الكلية فصرت زميلاً له، فكنت أحرج إذا دخلت على الطلبة الذين درسهم قبلي فينتظرون مني ما كانوا يتلقونه منه، وأنَّى لي ذلك! فما كنت وإيَّاه إلا مثل بقل في أصول نخل طوال.
واستمر على سننه ذلك حتى ضعفت ذاكرته في السنوات الأخيرة، فأصيب بالنسيان، حتى فقد الإدراك تماما، وصار حاله ومن هم مثله كحال الملائكة تكتب لهم حسنات الأعمال التي كانوا يعملونها في صحتهم، ورفع عنهم التكليف فلا سيئات تكتب عليهم.
ولئن كان لكل أب حق وفضل على ابنه فإن للوالد عليَّ أفضالا لا أحصيها ولا أجزيها، فالله يتولى عني كفاءه وجزاءه، ومن ذلك أن حال الوالد في نشأته على الاستقامة ووعيه العلمي كانت سبباً لي في رُشدِ النشأة وبكور الاستقامة، والسلامة من أسباب الضياع والانحراف والتي كان لها في جيلنا أسباب كثيرة، ومنزلقات خطيرة، فعصمني الله بوجوده في حياتي عن كثير من هذه الانحرافات، ورفع همتي عن كثير من السفاسف، ولا أزال أذكر حين كان يأخذني في ضحى أيام رمضان ليصلي الضحى ويجلس لقراءة القرآن، وأتذكر أنه ليس في المسجد غيره، وأنا ألهو في المسجد لصغر سني لكن شاشة الذاكرة كانت تسجل الموقف وتخزنه في القرص الصلب ليكون لي من بعدُ موعظة وذكرى.
ولم يكن الوالد يعتمد معنا طريقة النصح المباشر والأمر الصارم، فلا أذكر أنه نصحني نصحاً مباشراً إلا مرة واحدة وأنا في السنة الثانية المتوسطة في الرابعة عشرة من عمري، لاأزال أتذكر وقتها ومكانها وكلماتها، وكان مضمونها: تحميلي المسؤولية عن حياتي وحثي على الجد فيها.
أما رؤيته جالسا على مكتبه في مكتبته، ورفوف الكتب حوله فكان منظرا محفزا لي، وكانت تلك المكتبة غذاء فكريا قَصَّر عليَّ طريق الطلب، ودلَّى ثمار الثقافة بين يدي.
ومن جميل ما تعلمته منه الحشمة في الكلام، فلم أسمعه يوماً يتكلم بفحش ولا يستروح لسماع حديث فاحش، وكان تطبيقا عمليا للهدي النبوي: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا».
ومما تعلمناه منه الورع البالغ في المكسب والمعيشة، والبعد عن المشتبهات فضلا عن المحرمات.
رأينا حرصه على التوقي عن كثير مما يُشتبه به في مواقف مؤثرة، منها:
أنه عندما افتتح صندوق التنمية العقاري قدَّم إليه الناس طلبات الاقتراض، وكان من شروطه أن لا يكون طالب القرض يملك بيتاً، وكان كل من يُقَدِّم طلبه يكتب أنه لا يملك بيتاً، لأنهم يسكنون غالبا بيوتا من الطين ويرون أنها لا تُعدُّ بيوتاً أو هكذا يتأولون، وما كان هذا الشرط مما يتابع إجرائيا أو يُتحقَّقُ منه، فكل من كتب أنه لا يملك بيتاً سارت معاملته، أما هو فعندما قدم الطلب كتب أنه يملك بيتاً، وكانت النتيجة المتوقعة أن يرفض الطلب، وأن يتوقف البناء الذي كان ضرورة لنا لأن بيتنا الطيني قد رحل أكثر جيرانه، وصارت الحارة سكنا للعمال، وأوحشت فما عدنا نعرف فيها من كنا نعرف.
ولامه من المعارف والأقارب من لامه، فما أثر ذلك في ثبات موقفه وقناعته بقراره، ثم صار يبني مما يوفره من راتبه وما يُفضِلُه من ضرورته، حتى تيسر الإتمام على أقل المواصفات.
ومرت السنوات وفُرِجَ الضيق، واتسعَ الحال وانتقلنا من ذلك البيت في حي الشفا إلى حي الروابي في بيت مريح لائق باجتماع الأسرة التي كثرت، وتحول البيت إلى بيوت، والأسرة إلى أسر، وكنت أنظر إلى أبي وأتذكر هذا الموقف، وأقرأ في نفسه لذاذة الوفاء للمبدأ، والظفر بعد الصبر، وأشعر أنه لو ضعف لكانت لذعة في ضميره، ومرارة يجدها كلما تذكرها، ولكن الله سلم ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27].
وعاش الوالد هناءة صدقه، أما نحن فتعلمنا جميعاً منه قيمة الصدق، وعظمة الثبات في مواقف امتحان القيم، والتورع عن المشتبهات، «ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».
لقد كان أبي هو أول من فتق لساني بذكر الله عز وجل، وعلمني سنة محمد ﷺ، وقذف في قلبي محبة العلم وأهله، إلى ورباني صغيرا ورعاني كبيراً، فكان فضل الله عليَّ به عظيما، فقد أرشد وسدد، وعلَّم وقوَّم، وهدى الله به للتي هي أقوم. فأسأل الله أن يجزيه عني خير ما جزى والدا عن ولده، وأن يُلحقه بالصالحين، ويرفع درجاته في أعلى عليين، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم.
ولقد فجعت بغيابه قبل غيابه، وبفقده قبل فقده، حين أصيب بالنسيان حتى لم يعد يعلم بعد عِلمٍ شيئا، والزهايمر أخو الموت، تشعر أنه غائب عنك وهو حاضر أمامك، وكم شعرت باللهف أن أستثير ذكرياته، وأستروي أحاديثه، وأذكِّره ببعض القصص التي رواها، وأستشيره في أمور أعلم رأيه فيها، وأتفنن في بِرِّه والتلطف به، فالبر بالوالدين له فَنُّه بل فنونه.
وقد اتصل بي أحد أصدقائي يوماً يشتكي حِدَّةَ والده وكثرة عتابه له، وغضبه عليه، وكان يُنفِّس عن نفسه ببث شكواه إلي، فلما فرغ قلت له: هل تعلم أن ما تشتكي منه هو ما أتمناه، وسيكون لي لذة الدنيا لو ظفرت به، كم أتمنى اليوم أن يعاتبني والدي أو يغضب عليَّ فأتفنن في استرضائه، وأحتال عليه حتى يتحول غضبه رضا، وعبوسه ضحكاً، وأستأنف معه لذة الحوار وحيوية الصحبة.
هل تعلم أن هذا الذي تشكو منه فرصة ينبغي أن تستغلها فتشعره بتفاعلك مع عتابه، وألمك لإعراضه، وترسل رسائل الاهتمام والأهمية له، وتستلذ بذلك وتستشعر به نشوة الظفر.
وقد كنت أقول ذلك وأنا أحكي أمنياتي الحقيقية، فلما سمع ذلك كأنما أفاق من غفوة، وانتبه من غفلة، وهكذا لا نكتشف مساحة الوالدين في حياتنا إلا حين نفقدهما، ومع أنه كان غائبا عنا بوعيه سنواته الأخيرة إلا أن خبر وفاته حين وقع كان له فزعه وفجاءته، وشعرت بالفجيعة وكأني فقدته في وعيه وعافيته، ولا زال في قلبي فجوة لوعة عميقة كالهاوية.
لا إله إلا الله إن للموت فزعاً.
لقد كان الوالد على حاله التي كان عليها كالقبة تجمعنا وتظلنا، وكالسور يكتنفنا ويؤوينا.
وسيشعر كل مَن فقد والده مهما كبرت سنه باليتم يوم يفقده.
وأقول: فهنيئا لكل من لا يزال يعيش نعيم صحبة الوالدين، ويتفنن في برهما ليُدخلاه الجنة.
ويقول جبرائيل عليه السلام: «رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ».
وقال نبينا ﷺ: «آمِين»([2]).
***
([1]) «الضوء اللامع» (10/ 139).
([2]) يُنظر: «صحيح مسلم» (2551)، و«جامع الترمذي» (3545) .
إضافة تعليق جديد