ماتت أمي، فرأيت جلال الموت وجماله
ماتت أمي
فرأيت جلال الموت وجماله
للموت فُجاءته وفجيعتهُ، فيحزن القلب وتدمع العين، ولكن للموتِ أيضاً جلاله المهيب، وجماله المشرق.
وقد زارتني فجاءة الموت هذا الأسبوع بوفاة والدتي، رحمها الله، وها قد ذهبت الصدمة الأولى، واتضحت الرؤية، وهدأت النفس، وآن للحديث أن يكون عن جلال الموت وجماله، وليس عن فجيعته وحزنه.
فماذا رأيت من جلاله وجماله؟
الموت أَخْذٌ وحرمان، فالأَخْذُ يذكر بما سبقه من عطاء، والحِرمان يذكِّر بما سبقه من نَوال.
فتذكرت عظيم فضل الله عليَّ أن عشت عمري مع أمي، ولم أعش وحشة اليتم كما عاشتها، وهي التي لم تدركْ أمَّها ولم تعرفها.
تذكرت نعمة الله علي أني صحبت أمي قريباً من سبعين سنة، أعيش معها نعيم الطفولة، وأتذوق حنان الأمومة.
فقد كانت تعاملني في كهولتي كما كانت تعاملني في طفولتي، وإلى قبل وفاتها وهي تتفقدني: ماذا أكلت؟ وماذا لبست؟ ولماذا فعلت؟ ولماذا تركت؟ وتوبخني كما كانت، وتلومني كما كانت، وكنت أستثيرها، وأظهر الندم لأني لم أفعل ما أمرت، فتؤكد أنني ممن لا ينفعهم النصح، ولا تُفيد فيهم الموعظة، وأنها تنصحني ولكنَّها كمن يؤذن في مسجد ليس فيه جماعة، في أنواع من مغاضبتها اللذيذة، حين تمارس أنواعاً من استبداد الأمومة الماتعة.
وأتذكر بالامتنان لله أني صحبتها وهي ممتَّعة بحال حسنة، فلم تفقد إدراكها، وكل ما أصابها من أمراض لم يصل إلى حد الإعاقة، ولذا صحبناها بوعيها وحضورها واستحضارها.
وكانت كثيراً ما تدعو: «الله يحفظنا من كِبَرٍ يفضحنا»، وهي صياغة عامية للدعوة النبوية: «وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ»([1]).
وأتذكر بامتنان لله أنها عَبَرَتْ هذا العمر المديد بحياة موصولة بالله، فقد كانت أمية لا تقرأ، ولِذا عوَّضت الحرمان من قراءة القرآن في المصحف باللهج بالذكر، ولها رسوم في الذكر، فهي إذا بدأت وردها فكأنها في صلاة، لا تُكَلِّم أحداً ولا ترد على أحد.
وكانت تظن أن استعمال الهاتف يضر أذنيها ويزيد الصداع الذي كان يصاحبها، فلم تكن تتحدث بالهاتف مع أحد، ولذا سلمت في مسيرة عمرها فضول الحديث، ومن قيل وقال، وكثرة السؤال.
وبحمد الله أن هذا الظن لم يصحبها في المكالمات المرئية، ولذا بقيت على صلة يومية معها محادثةً ومشاهدةً، وهذا من نعم الله التي أتذكرها وأمتن لله بها، أني لم أفقد الصلة والتواصل معها.
ومن طلائع حسن الختام لها أنَّ ميراثها وصلها في سنتها الأخيرة وكان مبلغاً مليونيّاً لم يسبق لها تملُّك مثله، فقالت: إن الله قد أغناني عنه في دنياي، وأريد أن أقدّمَه أمامي فَفَرَّقَتْهُ كلَّه في بناء المساجد في البلاد، ولم تُبقِ منه كثيراً ولا قليلاً، جعله الله في الصدقة المتقبَّلة.
وقد لقِيَتِ الرَّب العظيم الذي طالما نادته بقولها: «سبحان ربي العظيم»، ولحقت بالرب الأعلى الذي طالما تضرعت إليه بقولها: «سبحان ربي الأعلى». فما الظن بكرم ربنا إذا لقيه من كان عمرَه يدعوه، ويناديه، ويتضرع إليه، ويناجيه؟!.
ويذكرني حضور الموت وفجيعة الغياب بما وفقني الله إليه من أنواع البر التي قدِرتُ عليها، فهي كانت في غنى مادي عنا بغنى أبي لها، ولكن كنت أتفنن في طرائق الإسعاد، وفجاءات السرور، والإشعار بالأهمية والاهتمام.
أتذكر نعيم الحياة معها وبها، فلم أُشعِرْها يوماً أني كبرت أو استغنيت، وإنما كنتُ أُشْعِرُها بالاحتياج إلى قرارها أو وساطتها.
وكثيراً ما أقدم لها الشكاوى الكيدية المعدة مسبقاً ضد أخي عبد الملك، أو أختي فاطمة، فتوبخ هذا وتلوم هذه، حتى تشعر بفاعليتها ودورها، فأحمد الله على كل ما يسره لي من إدراك رضاها وإدخال السرور إليها.
وأمتن لله أني وإن فقدت أمي فقد أبقى الله لي خالي عبد الله، وخالي إبراهيم، وخالتي اللّولو، وفي قربهم إيناس ورحمة. فأعمارهم بقية من عمرها، وأنفاسهم بقية من روحها، وإذا حضروا فما غابت.
قال ﷺ لرجل: «ألك أم؟» قال: لا. قال: «أَلَكَ خَالَةٌ؟» قال: نعم. قال: «فَبِرَّهَا إِذًا»([2]). وقال: «الْخَالَةُ أُمٌّ»([3]). وأقول: وإن الخال أبٌ وأم.
وأمتن لله برسائل واتصالات لا أحصيها، غمرتني في أيام لوعتي كلها، فكانت العِبارات والدعوات تصلني ممن لم أعرفهم، ومن بلاد نائية لم أصل إليها، ولكنها مساحة الحب الواسعة، ورابطة الأخوة الواثقة، وتداعي الجسد الواحد بالتآسي والمواساة، حتى شعرت أني مُحاطٌ بعالَمٍ من قلوب، وبحرٍ من مشاعر، فلربنا الحمد على هذه الصلة والوداد بإخوتي وأخواتي، وعلى تتابع دعواتهم لها بضراعة ولهف، وإني على ثقة ويقين أن ربي سيستجيب دعواتهم، ويقبل شفاعتهم، وحسبي بذلك عزاءً وسلوى.
حضر الموت إلى أعز قريب، فتجلت لي هيبة الموت وجلاله، وللموت هيبة وجلال استحضرهما النبي ﷺ حين قام لجنازة مرت به، فقال أصحابه: إنها جنازة يهودي. فقال ﷺ: «أَلَيْسَتْ نَفْساً؟»([4])، وقال: «إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا».([5]).
إن الموت تذكير بعظمة الله وقدرته، فالموت تذكير بالنهاية لكل مخلوق، فكل موجود قد سبق وجودَه عدمٌ، وكل حي سيعقب حياته موت، إلا الخالق العظيم، فهو الذي كان ولم يكن شيء قبله، وهو الحي القيوم الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، فموت المخلوق دليل على حياة الخالق وعظمته، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2].
وحضور الموت للوالدين نذير بقرب الرحيل في إثرهما، فكثيراً ما يشعر الإنسان أن والديه سقف حياته، وأنه حي ما داما أحياء، ويتوهم أنه لن يموت قبلهما، فإذا انكشف هذا الغطاء وجد نفسه أمام المصير مباشرة، فها قد أزفت الآزفة، وآذنتْ نذر الموت بالرحيل.
خطب عمر بن عبد العزيز فقال: «إن رجلاً ليس بينه وبين آدم إلا أب قد مات، لمُعْرِقٌ له في الموت»([6]).
إن وفاة مَن حولنا، وخصوصاً الوالدين، هي نداءاتُ الإنذار، والاستنفارُ العاجل للرحيل.
وإن حسرة الموت لا تكون إلا لمن فاجأه الموت وهو غافل عنه، وسكرة الموت إنما تشتد على من حضرته وهو في سكرة الحياة.
وكما للموت جلاله وهيبته فله جماله وبشراه، وأعظم بشرى عند الموت هي الوفاة على الإسلام، ولقاء الله بالدين الخالص، وهذا الختام هو البشرى لكل مؤمن، قال سفيان الثوري: «ما حسدت أحداً ما حسدت ميتاً يُدَلّى في حفرته، مات على الإسلام». فالموت على معرفة الله، والإيمان به، وطاعته، هو أُولى البشائر بالفوز والرضا.
والمؤمن كما يرى في الموت فزعاً، فإنه ينتظر عنده سعادةً وبشرى، فهو يعلم أنه عندما ينتقل عن عالم الشهادة إلى عالم الغيب فإنه يرجو أن يتلقى بشرى الملائكة في هذه اللحظة الحرجة، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ، يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32].
إن الموت للمؤمن نُقْلةٌ إلى الجمال، والسعادة، والحياة الطيبة.
تفكرت في أيام النبي ﷺ: ما أشد يوم، وما أسعد يوم؟
أمَّا أشد يوم فقد أخبرنا به، وأما أسعد يوم، فلم أجد أسعد من يوم وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، وظهرت سعادته هذه في بهجة نظرته وإشراق وجهه حين خرج ينظر إلى أصحابه يوم وفاته وهم في آخر صلاة يصلونها وهو حي، فنظر إليهم، والسرور يطفح على محياه، فما رأوا منظراً أعجب إليهم من وجهه، كأنه ورقة مصحف، ينظر إليهم وهو يضحك، حتى كادوا أن يُفْتَتَنُوا مِنَ السرور ([7]).
ثم أرخى الستر، فكانت آخر نظرة منه لهم، وآخر نظرة منهم إليه، ثم توفي بعدها بسويعات.
فهذا فيما أحسب أسعد يوم في حياة النبي ﷺ، وأجمله وأبهاه.
إن جمال الموت للمؤمن في يقينه بطيب المنقلب، ومحبته لقاء الله، فهو إنما ينتقل بالموت إلى ربه الذي عرفه وعبَده، ومَن تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشِّدَّة.
وما بعد الموت جثة تُدفن في الأرض، وروح تصعد إلى السماء، تتلقى ترحيب الملائكة، وروائح الجنة، وكريم البشرى بطيب المنقلب، وذهاب الحزن: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34]، وهنا الفرح الحقيقي الذي لا يعقبه كدر، والجمال التام الذي لا يلحقه نقص([8]).
إن جمال الموت يتبدى لنا حين نوقن أنه بوابة السعادة والإكرام، وأن المنقلب بعده إلى رب كريم، فرجوعنا إلى الله، ومنتهانا إليه، ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 8]، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: 42]، ولا نظنُّ بربنا إلا خيراً، سأل أعرابيُّ: مَن سيحاسبنا يوم القيامة؟ فقيل له: الله عزَّ وجلَّ. فقال: نجونا وربَّ الكعبة. فقيل له: وكيف ذاك؟. فقال: إن الله كريم، وإن الكريم لا يستقصي.
وما أبأسها وأوحشها حياةُ مَن حُرم الإيمان! فرأى في الموت هاوية العدم، وأنه يموت كما يَنفُق أي حيوان، أو تُسحق أي حشرة، وأن نهايةَ نهايتِه أن يكون سماداً للأرض.
إن الفهم الخاطئ للموت فهم خاطئ للحياة.
اللهم أحسِن خاتمتنا وتوفَّنا وأنت راضٍ عنَّا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عبد الوهاب الطريري
الجمعة 27 ذو القعدة 1447
***
([1]) «صحيح البخاري» (2822).
([2]) «شعب الإيمان» للبيهقي (7480).
([3]) «سنن أبي داود» (2278).
([4]) «صحيح البخاري» (1312)، و«صحيح مسلم» (961).
([5]) يُنظر: «صحيح البخاري» (1310)، و«صحيح مسلم» (959)، «سنن النَّسائي» (1922).
([6]) «الطبقات الكبرى» لابن سعد (5: 398).
([7]) «صحيح البخاري» (754)، و«صحيح مسلم» (419).
([8]) ينظر كتاب «جمالية الدين»، فصل «جمالية الموت»، للعالم القرآني فريد الأنصاري رحمه الله.
إضافة تعليق جديد