قصص نبوية (1) الشريفة إذا سرقت
وفي هذا الجو من العفو والاحتواء والتألُّف رُفِعَتْ إليه ﷺ امرأة من أشرافهم من بني مخزوم قد سرقت، وعلم أشراف قومها أن النبي ﷺ سيطبق عليها الحد الذي يقام على كل سارق، فأهمَّهم ذلك وكرَبهم، واجتمع أكابرهم يتداولون الأمر، فمَن سيكلم رسول الله ﷺ في شأنها حتى لا يقيم عليها الحد؟ فهاب كلٌّ منهم أن يكلم رسول الله ﷺ في ذلك، وتداولوا الرأي فيمن سيشفع لها عنده ﷺ، فقالوا: ومن يجرؤ عليه إلا حبيبه وابن حبيبه، أسامة بن زيد؟!.
فذهب هؤلاء الأشراف إلى أسامة وكلموه، وطلبوا إليه أن يشفع لها عند رسول الله ﷺ، فلما كلَّم أسامةُ رسول الله ﷺ في ذلك تغير وجهه وتلون من الغضب، ونهَر أسامة، قائلاً: «يَا أُسَامَةُ، أَلَا أَرَاكَ تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟». ورأى أسامة غضب النبي ﷺ، فقال: «يا رسول الله، استغفر لي».
فلما صلى النبي ﷺ بالناس الظهر قام في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
ثم أمر ﷺ بهذه المرأة فأقيم عليها الحد، فلما قطعت يدها دخلت على زوجة أسيد بن حضير، فواستها وأطعمتها، فأخبر أُسيدٌ رسول الله ﷺ بذلك، فقال: «رَحِمَتْها رَحِمَها اللهُ»([1]).
ثم قال ﷺ لهذه المرأة: «أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمَ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ»([2]).
وقد تابت هذه المرأة وحسنت توبتها، وتزوجت رجلاً من بني هاشم، قالت عائشة: «فكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ، فيقضيها»([3]).
وفي هذا الحديث دلالات مضيئة، منها:
- ـ أهمية العدل، وإقامته بالقسط، وعدم المحاباة فيه، ولذلك راعى النبي ﷺ مشاعر قريش في عدم بناء البيت على قواعد إبراهيم، ولم يُراعِ غضب فئة منهم في تحقيق العدل، وهم من أشرافهم.
- ـ أهل هذه المرأة هم بنو مخزوم من أشراف قريش، وهم أهل الحلقة والسلاح فيهم، ولهم قربى قريبة بالنبي ﷺ، فهم أخوال أبيه عبد الله، وهم أصهاره، فأم المؤمنين أم سلمة منهم، ولكن خؤولتهم ومصاهرتهم لم تشفع لهم في شأن إقامة الحد وتحقيق العدل.
- ـ لما أراد أشراف قريش وساداتها الشفاعة لهذه المرأة، ذهبوا إلى أسامة بن زيد، فمَنْ هو أسامة بن زيد؟ هو فتى في نحو السادسة عشرة من عمره، أسود البشرة، كان أبوه عبداً وكانت أمه أَمَةً، ولكنه كان ذا حظوة ومكانة عند النبي ﷺ، الذي حطَّم طبقِيَّة الجاهلية، ولذا جاء هؤلاء الأشراف إليه ليكون شفيعهم عند رسول الله ﷺ، وقارن ذلك بموقف آبائهم الذين قالوا للنبي ﷺ: لن نجلس معك وعندك هؤلاء الأعبد، يقصدون الموالي كبلال وعمار وخباب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]([4])، فكانوا يأنفون من مجرد الجلوس معهم، فلما رسخ الإسلام تغيَّرت المقاييس، وصار مَن كانوا يأنفون من الجلوس معهم هم الذين يتوسلون بشفاعتهم.
لقد أُعيدت العلاقات بين أفراد المجتمع سوية، وأُزيحت عنها نُعُرات الجاهلية ، وكان هذا المشهد من مشاهد التعافي الاجتماعي.
- ـ بمجرد أن أُقيم الحد على هذه المرأة احتواها المجتمع، فامرأة أسيد بن حضير تواسيها وتطعمها، والنبي ﷺ يبشرها برحمة الله لها حين رحمتْها، ثم يحتوي المجتمع هذه المرأة ويدمجها فيه، فتتزوج رجلاً من أشراف قريش من بني هاشم، ثم يكون مأواها بيت النبي ﷺ إذا احتاجت، فترفع عائشة رضي الله عنها حاجتها إلى النبي ﷺ فيقضيها لها.
لقد احتواها المجتمع النبوي ودمجها فيه، ولم يجعلها حبيسة خطئها، وبذلك يُعاد تأهيل المخطئ بمساعدته على تجاوز خطئه، ولذا قال لها ﷺ: «أَنْتِ الْيَوْمَ مِنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أُمُّكِ»([5]). وهي دعوة لاستئناف الحياة.
- ـ لم يكتفِ النبي ﷺ بتوبيخ أسامة حين شفع في الحد، بل قام في الناس خطيباً، فبيَّن لهم أن المحاباة في الحدود سبب هلاك الأمم قبلهم، فإن الإخلالَ بتطبيق العدل واستيفاء الحقوق، ومحاباةَ ذوي السلطة والنفوذ سبب للعقوبة الإلهية وانتصار الله للضعفاء والمظلومين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة»([6]).
- ـ بالغ النبي ﷺ في تأكيد قضية العدل في تنفيذ الحدود، حتى قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»([7])، وكانت حينها الابنة الصغيرة الأثيرة لديه، وهي البضعة النبوية التي يؤذيه ما يؤذيها، ويُريبه ما يريبها، ومع ذلك ضرب المثل بها، وأنه لو وقع ذلك ـ وقد أعاذها الله منه ـ لأقام عليها الحد.
وهذا المثل لبيان آكدية العدل واستواء الناس فيه، ولذا وطَّأ له بالقسم، فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»، ثم ذكر المثل بابنته فقال: «لَو أَنَّ فَاطمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ» ثم ذكر نفسه الشريفة باسمه العَلَم فقال: «لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»، ليبين أنه سيكون في هذا الموقف محمداً الرسول، وليس محمداً الأب، وكأنه في هذا المقام سيكون أجنبياً عنها تماماً، وهذا كله مبالغة في تأكيد تحقيق العدل، ليصير مُسَلَّمة عامة، ونظاما اجتماعيّاً لا يقبل المحاباة.
وقد كان الليث بن سعد إذا روى هذا الحديث يقول: قد أعاذها الله مِنْ أن تسرق([8])، وأما الشافعي فقد تلطَّف في الأدب مع المقام النبوي، فذكر هذا الحديث في «الأم»، فلما بلغ ذكر فاطمة قال: فقال: «لو سرقت فلانة ـ لامرأة شريفة ـ لقطعت يدها»([9]).
***
([1]) مصنف عبد الرزاق (18834) من مرسل محمد بن المنكدر.
([2]) «مسند أحمد» (6657).
([3]) «صحيح البخاري» (2648)، «صحيح مسلم» (1688).
([4]) «صحيح مسلم» (2413).
([5]) «مسند أحمد» (6657).
([6]) يُنظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (28/ 146).
([7]) «صحيح البخاري» (6787، 6788).
([8]) «سنن ابن ماجه» (2/ 851).
([9]) «الأم» للشافعي (6/ 190).
إضافة تعليق جديد