السبت ، ١٥ ربيع الآخر ، ١٤٤٨   -   26 سبتمبر 2026

قصص نبوية (2) غلام يستأذنه الرسول ﷺ

  1. ـ غلامٌ يستأذنه الرسول ﷺ

في مجلس النبي ﷺ الذي يحتوي أصحابه على تفاوت أعمارهم وتنوع أحوالهم، ففيهم الفتى الصغير والشيخ الكبير، والصاحب السابق والأعرابي الوافد، يجمعهم مجلسه ويحتويهم قلبه.

وفي هذا المجلس كان النبي ﷺ جالساً وعن يمينه غلام لم يجاوز الثانية عشرة من عمره هو ابن عمه عبد الله بن عباس، وعن يساره الأشياخ من المهاجرين والأنصار وفيهم خالد بن الوليد والمشيخة حوله.

فأُتي رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء، فشرب منه ثم التفت إلى الغلام عن يمينه فقال له: «يَا غُلَام، الشَّرْبَة لَك، فَهَلْ تَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهَا أَعْمَامَك هَؤُلَاءِ الأَشْيَاخَ؟». ونظر الغلام إلى القدح في يد رسول الله ﷺ، فإذا فيه فضلة شرابه، وعلى حافَتِه أثر ريقه، فقال: يا رسول الله، ما كنت لأوثر بفضل فيك ونصيبي منك أحداً، فدفعه النبي ﷺ بشدة في يده([1])، وكان هذا مشهداً من مشاهد المجلس النبوي وأدباً من آدابه.

وفي هذا الحديث دلالات، منها:

  1. ـ إدماج الفتيان في مجتمع الكبار، فابن عباس في الثانية عشرة على أكبر تقدير، والنبي ﷺ قد تجاوز الستين، وعن يساره أشياخ، وابن عباس هو الذي عن يمين النبي ﷺ.

وهذا نوع من التربية يُسرِّع بنضوج الفتيان، فيتعلمون من الكبار الأخلاق والقيم، ويكون لديهم ثقة بالنفس، ولذا يبلغون مرتبة الرجولة سريعاً، ويتأهلون لأمور الكبار باكراً، وهذا ما يفسّر لنا تولية أسامة بن زيد قيادة جيش وهو في الثامنة عشرة من عمره، لأنه في هذا العمر قد اكتسب كل خبرات الرجال، ومهاراتهم بهذه التربية.

  1. ـ فيه تربية الفتيان على الاستقلالية والمبادرة، والتأهيل لاتخاذ القرار، ويظهر ذلك من استئذان الرسول ﷺ للغلام على صغر سنه، ومن إعطائه الإناء حين لم يأذن، كما أن في جوابه ذلك دلالةٌ على نضوج مبكر، ووعي بالموقف، وجرأة في اتخاذ القرار.
  2. ـ شدة محبة الصحابة للرسول ﷺ وتنافسهم على التبرك بآثاره، كفضلة شرابه، وبقية وضوئه، ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما كنت لأؤثر بفضل فيك يا رسول الله أحداً»، ومثل ذلك تنافسهم على بقية وضوئه إذا توضأ، فعن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ في قبة من أدم حمراء، ورأيت بلالاً قد خرج بوضوئه، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسّح به، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه([2]).
  3. ـ يقابل هذا المشهد مشهد آخر رواه أنس رضي الله عنه قال: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فلما شرب قال عمر: يا رسول الله، هذا أبو بكر، فناول النبي ﷺ الأعرابي، وقال: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلاَ فَيَمِّنُوا»، وهنا نلاحظ أن النبي ﷺ لم يستأذن الأعرابي كما استأذن ابن عباس، وإنما دفع إليه  الإناء وأجاب على اقتراح عمر بقوله: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ»([3])، وذلك أن ابن عباس كان ابن عم النبي ﷺ الصغير، فهو كالابن له، وله عليه إدلال، والذين كانوا على يساره أقاربه، ولا يمكن أن يقع في نفسه شيء إذا استأذنه، أما الأعرابي فإذا استأذنه شعر بنوع من الإيثار عليه وعدم تقديم حقه، ولذا تعامل النبي ﷺ مع الأعرابي بغير ما تعامل به مع ابن عباس، مراعاةً للمشاعر، ومعاملةً لكل أحد بما يناسب حاله.
  4. ـ هذا المشهد فيه درس في التعريف بالحقوق، ومن المهم أن يعرف كل إنسان حقوقه لينالها، والذي يعرف حقوقه ويستوفيها هو الذي يؤدي واجباته ويُوفِّيها.

فالصحابة كانوا غاية في بذل ما يجب عليهم إلى حد الإيثار، وكانت حقوقهم مُصانة ومعروفة، ويشعر كل منهم باستيفاء حقوقه، فيبادر لأداء واجباته.

  1. ـ بين ابن عباس سبب استئثاره وأنه ليس لهفة على الشراب، ولكن لأنه فضلة النبي ﷺ وأثر ريقه على القدح، فأراد أن يتبرك ببقية شراب النبي ﷺ، وما باشر فمه الطيب، وهي فرصة لا يمكن أن يضيّعها ولا يضمن أن تتكرر، فلذلك حرص على هذه الشربة ولم يؤثر بها.
  2. ـ دفع النبي ﷺ القدح بيد ابن عباس بشدة، وهو ما عبّر عنه الرواة بقولهم: «فتَلَّه رسول الله ﷺ في يده». وأحسب أن هذا الدفع بالقدح للغلام هو مزيج من الإعجاب والعتاب، فهو إعجاب بفطنة الغلام، وحسن منطقه ونباهته، وعتاب على أنه لم يُقدِّم الأشياخ وهم أكبر منه سنّاً.
  3. ـ يبهرك هذا الانضباط الأخلاقي في مجتمع الصحابة رضي الله عنهم، فهؤلاء الأشياخ على يسار النبي ﷺ لم يجدوا غضاضة في أنفسهم ولم يظهر منهم أنفةٌ أن يقدَّم عليهم غلام يستأثر بفضلة الرسول ﷺ دونهم.

وهذا الصِّدِّيق أول الرجال إيماناً برسول الله ﷺ، وأكثرهم صحبة له، وأعظمهم مواساة له بنفسه وماله، يقدَّم عليه أعرابي وافد لا يُعلم اسمَه، ويتقبل أبو بكر رضي الله عنه منه ذلك بالقبول الحسن بلا أنفة ولا امتعاض([4])، إن هذا أثر التربية النبوية في رعاية الحقوق.  

  1. ـ دل هذا الحديث وغيره على أن الأولى بالشراب مَن على يمين الشارب، ثم من على يمينه، عملاً بالقاعدة النبوية بالتيامن «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»([5]).

وقوله ﷺ: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ» إرساء لهذه القاعدة في المجالس، في تقديم جهة اليمين ومن جلس فيها، وهذا ما يرفع الحرج ويُطَيِّب القلوب، فإنه لو قدم الأرْفع مكانة لادعى كلٌّ ذلك، ووجد من قدم عليه غيره غضاضة وحرجاً، فصار التقديم للمكان والجهة، وليس للمكانة والقدر([6]).

***

 

([1]) يُنظر: «صحيح البخاري» (2351)، و«صحيح مسلم» (2030) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، و«مسند أحمد» (2569)، و«سنن ابن ماجه» (3426)، و«جامع الترمذي» (3455) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

([2]) «صحيح البخاري» (376)، و «صحيح مسلم» (503).

([3]) «صحيح البخاري» (2571)، و «صحيح مسلم» (2029).

([4]) يُنظر: «صحيح البخاري» (2352)، و«صحيح مسلم» (2029).

([5]) «صحيح البخاري» (168)، و«صحيح مسلم» (268).

([6]) ينظر إلى «الآداب الشرعية» لابن مفلح (3/ 220)، و«فتح الباري» لابن حجر (17/ 324).

نشر :

إضافة تعليق جديد

 تم إضافة التعليق بنجاح   تحديث
خطأ: برجاء إعادة المحاولة