قصص نبوية (3) صبر الصدمة الأولى
كان بيت أبي طلحة وزوجته أم سليم كأحد بيوت النبي ﷺ لكثرة ما كان يزورهم ويخالطهم، وكان لهما بُنَيٌّ صغير في الثالثة من عمره يلاطفه النبي ﷺ إذا زارهم، وكان أبوه شديد التعلق به فهو في سن المحبة والوداد، وتفتح الوعي ولذة المناغاة.
ثم مرض الصبي وتأثر أبوه لمرضه غاية التأثر، وكان يراعيه بلهفة الأب الشفوق، فيطمئن عليه إذا خرج ويسأل عنه إذا عاد.
وكان أبو طلحة يخرج فجراً فيصلي مع النبي ﷺ ثم يعود عند القيلولة فيتغدى وينام، ثم يخرج بعد الظهر إلى نخيله ويعود عشاءً.
فخرج كعادته بعد الظهر والصبي مريض، فمات الصبي في غيابه ذلك، وإذا الأم الثكلى تغالب فجيعتها وتكتم حزنها، وتقول لمن عندها: إياكم أن تخبروا أبا طلحة حتى أكون أنا التي أخبره، ثم غَسَّلت الصبي وكفنته ووضعته في فراشه المعتاد، وغطته بثوب، ثم أعدَّت لأبي طلحة عشاءه، فلما جاء كان أول ما أهمه أن سأل عن بُنَيِّه، فقال: كيف بات ابني الليلة؟ قالت: أمسى هادئاً، فتوجه إليه ليراه فقالت له: عزمت عليك أن لا تقربه فقد هدأت نفسه، ولم يكن منذ اشتكى خيراً منه الليلة، فأرجو أن يكون قد استراح، فصدق ظاهر كلامها، وقال: فلله الحمد.
ثم جاءته بالطعام فأكل وطابت نفسه، وقامت هي فتطَيَّبَت وتصنَّعَت له وتقرَّبت إليه، فعاشرها ثم بات، فلمَّا أصبح اغتسل، فقالت له: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن جاراً لك أعارك عارية فاستمتعت بها ثم أراد أخذها منك أكنت رادها عليه؟ فقال: إي والله إني لَرَادُّها عليه، قالت: طيبةً بها نفسك؟ قال: طيبةً بها نفسي. قالت: فإن الله قد أعارك بُنيَّك ومتعك به ما شاء ثم قبضه إليه، فاصبر واحتسب، فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت بما تلطخت به ثم أخبرتني بابني! ثم استرجع وصبر، وتوجه من فوره ليصلي الفجر مع رسول الله ﷺ ويبثه شجوه وحزنه، فلما صلى مع رسول الله ﷺ أخبره الخبر، وبثه حزنه وشكواه، فسرَّى عنه النبي ﷺ، ثم قال له: «هل أعرستم الليلة؟» قال: نعم يا رسول الله. فقال ﷺ ملاطفاً له: «هيه، بتُّما عروسَين وهو إلى جنبكما». ثم قال: «بارك الله لكما في ليلتكما». فحملت أم سليم تلك الليلة، فلمَّا ولدت غَسَّلت الصبيّ وسَرَّرته ولفته في خرقة، ثم دعت أخاه أنساً ودفعت إليه تمرات، وقالت: انطلق بأخيك إلى رسول الله ﷺ، وإياك أن يُطعمه أحد شيئاً حتى يحنكه([1])رسول الله ﷺ ويسميه.
قال أنس: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فأتيته في المربد([2])، فإذا هو متزر بكساء، وفي يده الميسم وهو يداوي بالطّلاء بعيراً من إبل الصدقة ويَسِم الغنم في آذانها.
فلما رآني قال: «لعل أم سليم ولدت؟» قلت: نعم، فألقى الميسم وجلس ومد رجليه وقال: «ناولنيه». فناولتُه إياه فأضجعه في حجره، ثم قال: «أمعك شيء؟» قلت: تمرات، فأخذ ﷺ من ذلك التمر ومضغه حتى ذاب في فمه واختلط بريقه المبارك، ثم أخرجه من فمه ففتح فم الصبي وجعل يُلعِقُه إياه، فلما وجد الصبي حلاوة التمر جعل يحرك لسانه ويتلمظ به، فقال رسول الله ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ»([3]). فكان أول ما دخل جوفه وفتق أمعاءَه ريقُ رسول الله ﷺ.
قال أنس: قلت: سَمِّه يا رسول الله، فمسح وجهه ودعا له وسماه عبد الله، فما كان في الأنصار شاب أفضل منه، وكان من خير أهل زمانه، وبارك الله فيه، فعاش سعيداً، ومات شهيداً في جهاد فارس، وبارك الله في ذريته، فرزقه الله أحد عشر ولداً وأربع بنات، قال سفيان بن عيينة: قال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة من ولده، كلهم قد قرأ القرآن.
وفي هذا الحديث مشاهد عاجبة، منها:
- ـ أثر التربية النبوية، فكيف تحولت المرأة التي كانت في الجاهلية تُعرف عند المصيبة بشق الجيوب، ولطم الخدود وحلق الشعور، والنياحة والعويل، إلى هذا الثبات والصبر والاحتساب، ورجاء ما عند الله؟ وما فعلته أم سليم قد لا تفعله كثير من النساء غيرها، والسبب في ذلك قوة علاقتها بالنبي ﷺ، وكثرة زيارته ﷺ لها وهي من محارمه، فكان لهذه العلاقة بالنبي ﷺ جانب تربوي، وتأثر بهدي النبي ﷺ وهداه.
- ـ عندما فُجع أبو طلحة هذه الفجيعة بادر إلى النبي ﷺ يخبره، وهذا يبين لنا أن النبي ﷺ كان مأوى لأصحابه، يبثونه أحزانهم وآلامهم، ويجدون في كنفه السكينة والسلوى، ولذا واساه النبي ﷺ ودعا له ببركة، وهي دعوة نبوية تحققت، فجاء الله لهما بالولد بدل الولد، وبخمسة عشر حفيداً منه صالحين.
- ـ عندما ولدت أم سليم أرسلت الولد من فورها إلى النبي ﷺ ليصيب بركة ريقه ودعائه، وهذا حال الصحابة في اعتقاد البركة بما يمس النبي ﷺ، والبركة فيما يدعو به.
- ـ مشهد النبي ﷺ الذي وصفه أنس مشهد عاجب، فسيد الثقلين، الذي هو زعيم المدينة كلها وما حولها، يراه أنس قد حسر عن يديه وهو يداوي بعيراً من إبل الصدقة، ويمسك بالميسم يسِم غنماً من غنم الصدقة، فهل رأيت تواضعاً لله أعظم من هذا التواضع واهتماماً بالمال العام، الذي هو مال الصدقة المحرم على محمد وآله؟! ومع ذلك يهتم به هذا الاهتمام، ويباشره بنفسه.
- ـ اهتمام النبي ﷺ بأصحابه ومتابعته أحوالهم، فبمجرد أن طلع عليه أنس قال له: «لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ؟»، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يتابع حالها وينتظر ولادتها، ثم ألقى الميسم وجلس ومد رجليه، وتناول الوليد الذي لم يمض من عمره إلا ساعات، ثم سأل أنساً: «أَمَعَكَ شَيْءٌ؟» فمضغ التمر، ثم أطعمه الصبي.
يكفي أن تتخيل هذا المشهد فلو كان غير النبي ﷺ وأتاه أحد بمثل ما أتى به أنس فإنَّ المتوقع أن يقول: «أنا مشغول الآن، تعال في وقت آخر»، وقد كان النبي ﷺ في شغل، ولكن كان شغله بحال أصحابه أعظم.
- ـ لاحظ الطرفة الجميلة التي قالها النبي ﷺ لما رأى الطفل يحرك لسانه يستطعم التمر، فقال لأصحابه: «انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ». إن هذه الجملة اللطيفة تبين أن النبي ﷺ كان مستروحاً فرحاً، ولذا لاطف الطفل هذه الملاطفة.
ويا لله لأبي طلحة ولأم سليم حين رجع إليهما أنس وقص عليهما حال النبي ﷺ كما قصها علينا، كيف شعورهما وتفاعلهما وفرحهما بهذا التفاعل الجميل من رسول الله ﷺ مع ولدهما؟!.
أي سرور وبهجة تتفجر في نفوسهم! إنها البراعة النبوية في الإيناس وإدخال السرور على النفوس.
- ـ نرى أثر بركة الدعوة النبوية، فقد دعا النبي ﷺ لهذا الطفل وهو نطفة في رحم أمه، ودعا له وهو طفل بين يديه فتحققت الدعوة، ونشأ الولد أحسن نشأة، وأنجب أحد عشر ابناً وأربع بنات مِن حَفظةِ القرآن.
ثم استُشهِد مجاهداً في سبيل الله، فهو شافع لوالديه يوم القيامة، فالشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته([4])، ووالداه أولى الناس بشفاعته.
***
([1]) تحنيك المولود هو أَن يَمضغ التَّمْر ثُمَّ يُدخله في فم الصبي ويَدلك به حنكه.
([2]) المربد: هو المكان الذي تُحبس فيه الإبل والغنم.
([3]) «صحيح مسلم» (2144).
([4]) يُنظر: «سنن أبي داود» (2522).
إضافة تعليق جديد