السبت ، ٢٢ ربيع الآخر ، ١٤٤٨   -   03 أكتوبر 2026

قصص نبوية (4) - بين الأغنياء والفقراء

 

هؤلاء فقراء المهاجرين الغرباء في المدينة، فليس لهم أموال يتاجرون فيها، ولا أراضٍ يزرعونها، ولا حِرَف يعملونها، وإنما حبسوا أنفسهم على صحبة النبي ﷺ والتعلم منه، ولِذا فهم يعيشون الكفاف ويأكلون القوت، ثم ها هم قد اجتمعوا وجاؤوا إلى رسول الله ﷺ يشتكون إليه حالهم مع الأغنياء ذوي الأموال والثروات، فما هي شكواهم التي يشتكون؟ ومطالبهم التي يطلبون؟.

لقد قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله ذهب الأغنياء ذوو الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم في الدنيا والآخرة.

ففزع رسول الله ﷺ وعجِب، وقال لهم: «كيف ذلك؟». قالوا: يا رسول الله، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم سوى ذلك أموال يتصدقون منها ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق.

فتلقى ﷺ هذه الشكاة بحفاوة، وفتح لهم آفاق الأجور التي يتطلعون إليها، فقال لهم: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ».

وتشوقت نفوس هؤلاء الفقراء وتشوفت إلى هذا الموعود العظيم الذي قدمه لهم رسول الله ﷺ بهذا التعظيم والتشويق، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَتَخْتِمُونَهَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»([1]).

وفرح الفقراء بهذه البشرى النبوية، والدلالة على عمل يختصون به ويدركون به فضل السابقين المنفقين.

وضج المسجد النبوي دبر كل صلاة بالتسبيح والتكبير والتحميد، فلفت ذلك نظر الأغنياء، فسألوا عن ذلك، فعلموا أنه ذِكْرٌ علّمه النبي ﷺ إخوانهم من فقراء المهاجرين، فتعلموه منهم وصاروا يشاركونهم فيه، فضج المسجد بهذه الأذكار يرددها الفقراء والأغنياء، ورأى الفقراء أنهم قد شوركوا فيما حسبوا أنهم أُوثروا به، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، قد فعلنا الذي أمرتنا به، فسمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثلنا. فقال رسول الله ﷺ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». ثم قال: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رسول الله، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»([2]).

وفي هذه القصة دلالات وعبر، منها:

  1. ـ نشهد هذه النفوس الملائكية عند هؤلاء الفقراء، فهم لم يَحسُدوا الأغنياء بثرواتهم التي يملكونها، ولا ببيوتهم التي يسكنونها، ولا بأطعمتهم التي يأكلونها، ولكن غبطوهم في أنهم ينفقون في الخير ولا يستطيعون هم أن ينفقوا مثلهم فينالوا مثل أجورهم، فَغِبْطتهم كانت على نفقة الأغنياء إذا أنفقوا، لا على ما يملكون، فليس ذلك حسداً على ثرواتهم، ولكن منافسة في الفضيلة التي أدركوها بإنفاقهم.

وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]، ولم يقل: ما يكنزون ولا ما يدخرون، وإنما كان حزنهم لفوات فضيلة الإنفاق في سبيل الله.

  1. ـ وفيه فضل الذكر عقب الصلوات بهذه الكلمات، وأن أدبار الصلوات لها فضل، وهي من مواطن الذكر ومواطن الدعاء، وكأن ذلك لأنها مسبوقة بعمل صالح، لأن المصلي يتلقى صلاة الملائكة واستغفارهم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، فكما أن انتظار الصلاة صلاة، فإن الذكر بعد الصلاة صلاة، وتلقٍّ لدعاء الملائكة، وهذا من امتداد فضل الصلاة لِـما قبلها وما بعدها.
  2. ـ جُمَل هذا الذكر جامعةٌ لأنواع الثناء على الله، فـ«سبحان الله» تنزيه لله ونفي للنقص عنه، و«الحمد لله» امتنان لله على إنعامه وفضله، و«الله أكبر» تعظيم لله وإثبات الكمال المطلق له، ثم ختمت بأفضل الأذكار وهو التوحيد الدال على تفرد الله عز وجل بذلك كله، لا شريك له.
  3. ـ مكانة الذكر بين العبادات، وأن أهل الذكر هم المسارعون إلى الخيرات السابقون لها، كما قال ﷺ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتُ»([3]). وهنا بيَّن ﷺ أن من قال هذا الذكر سبق غيره، ولم يدركه إلا من عمل مثل عمله، وأكد ذلك بقوله: «وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ»([]).
  4. ـ  هذا المشهد يبين ما كان عليه الصحابة، رضوان الله عليهم، من المسارعة في الخيرات والمنافسة فيها.

وهذه المنافسة لم تكن بين الفقراء والأغنياء خاصة، بل حتى الأغنياء كانوا في مضمار سباق، وكل واحد منهم يتمنى أن يفعل أكثر مما فعل غيره، وكانوا في حال تنافس في الخير ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

ومن ذلك المنافسة بين أبي بكر وعمر، لما دعا النبي ﷺ إلى تجهيز جيش العسرة، قال عمر: اليوم أسبق أبا بكر، فأتى بنصف ماله، فقال له النبي ﷺ: «ما أبقيت لأهلك؟». قال: مثله.

ثم جاء أبو بكر بماله كله. فقال له النبي ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟». قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا جرم، ما سابقت أبا بكر إلى خير إلا سبقني إليه([5]).

  1. ـ عندما  رأى الفقراء مشاركة الأغنياء لهم في هذا الذكر رجعوا إلى النبي ﷺ فقالوا: «يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله»، وكأنهم يريدون عملاً يختصون به لا يدركهم فيه غيرهم، فقال النبي ﷺ: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»، أي أن هذا باب خير فتح لهم، وهذا من فضل الله عليهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، فإذا رأيت غنياً سبقك بالإنفاق فنافسه في الأعمال الصالحة الأخرى التي لها فضل، ويمكنك فعلها، ثمَّ بين لهم ﷺ أن الصدقة ليست خاصة ببذل المال، وأنه يمكنهم أن يتصدقوا وإن لم ينفقوا، فقال لهم: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟. قال ﷺ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»([]).
  2. ـ كان الأغنياء من الصحابة، رضوان الله عليهم يعيشون روح المنافسة في الخير، ولذلك لم يعتمدوا على ما ينفقون فحسب، بل كل فضيلة يريدون أن يشاركوا فيها، ولهذا، فبمجرد أن سمعوا هذا الذكر يقوله الفقراء تعلموه منهم، وصاروا يذكرون الله به، فهؤلاء الأغنياء هم الذين يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
  3. ـ أشار العلماء إلى أنَّ هذا الفضل الذي أدركه الأغنياء بهذا الذكر بعد الصلاة يذهب مثله إلى الفقراء؛ لأنهم هم الذين دلوهم عليه، فالأغنياء يذكرون الله ويثابون على ذكرهم، ومثل أجورهم يذهب إلى مَن عَلَّمهم هذا الذكر وهم هؤلاء الفقراء.

فكأنما يُقال للفقراء: اغتبطوا بأنهم يذكرون مثل ما تذكرون، فإن لكم مثل أجورهم مع أجركم.

وفي هذا بيان لسعة فضل الله عز وجل، وأن كل خير تتسبب فيه فهو من عملك، ويجري لك أجره.

  1. ـ في قوله ﷺ للفقراء لما أخبروه أن الأغنياء صاروا يشاركونهم في هذا الذكر، فقال: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». توجيه لهم ولكل أحد غيرهم أن يركز في عمله على إمكاناته وما هو متاح له، وسيجد مِن فرص الخير الكثيرة ما يملأ فراغه ويستوعب جهده، وقد بوَّب النووي رحمه الله في رياض الصالحين بقوله: «باب بيان كثرة طرق الخير» ثم ذكر أحاديث كثيرة في ذلك.

أما الذي ينظر إلى أعمال الآخرين التي لا يملك طاقتها ولا إمكاناتها وليست في وسعه فإنه بذلك يُشغَل بعمل غيره، ويهمل العمل المتاح له واليسير عليه، وكل عمل ليس في وسعك فلست مكلَّفا به، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

وهذا المعنى هو ما وجَّه  الله إليه النساء حينما تمنَّّين مثل جهاد الرجال فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]، وفضل الله  عظيم وعطاؤه غامر والله ذو الفضل العظيم.

***

 

([1]) يُنظر: «صحيح البخاري» (843)، و«صحيح مسلم» (595) عن أبي هريرة رضي الله عنه، و«صحيح ابن حبان» (2015) عن أبي ذر رضي الله عنه.

([2]) «صحيح مسلم» (1006).

([3]) «صحيح مسلم» (2676).

([4]) «صحيح البخاري» (843).

([5]) «سنن أبي داود» (1678)، و«جامع الترمذي» (3675).

([6]) «صحيح مسلم» (1006).

نشر :

إضافة تعليق جديد

 تم إضافة التعليق بنجاح   تحديث
خطأ: برجاء إعادة المحاولة