قصص نبوية (5) - رجل يزرع في الجنة
في المجلس النبوي الرحب، يحف الصحابة برسول الله ﷺ على تنوعهم، ففيهم المهاجري والأنصاري، والحضري والبدوي، والصغير والكبير، وكلهم يحتويهم مجلسه، ويتسع لهم قلبه.
وفي مجلس من مجالسه تلك كان ﷺ يحدث أصحابه وفيهم أعرابي من أهل البادية، فحدثهم ﷺ أن رجلا من أهل الجنة بعد أن دخلها ونال من طيباتها استأذن ربه عز وجل، فقال: يا رب، ائذن لي في الزرع. فيقول له ربه: أولست فيما شئت؟ فيقول: بلى، ولكني أحب أن أزرع، فيأذن الله له، فيبذر حبه، فيبادر الطرفَ نباتُه، فلا يلتفت حتى تعود كل سنبلة طولها اثنا عشر ذراعا، ثم لا يبرح مكانه حتى يستحصد، ثم يكون ركاما، ثم يتكوَّر أكواماً مثل الجبال.
فيقول الله له: «دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء».
وكان الأعرابي يستمع إلى ذلك متعجبا، فلما فرغ النبي ﷺ من حديثه بادره قائلا: يا رسول الله، والله لا تجد هذا الرجل إلا قرشيا أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرع، أما نحن فلسنا بأصحاب زرع.
فضحك رسول الله ﷺ ومَن حوله من أصحابه لطرافة هذا الأعرابي وظرفه.
وفي هذه القصة فوائد جميلة، منها:
- ـ هذا مشهد تصويري لبعض نعيم أهل الجنة والذي يوافق الناس حسب شهواتهم، فهذا المزارع اشتهى الزرع، أما البدوي فله في الجنة ما يشتهي من سدر مخضود، وطلح منضود، وقد يشتهي نجائب الإبل فتُساق له، أو الخيلَ المسوَّمة تجري به، وقد يَجِدُّ للناس شهواتٌ من شهوات الدنيا لم تكن معروفة من قبل فيشتهونها، وكلُّ شهوةٍ يشتهيها أهل الجنة يدركونها، فلهم فيها ما يشتهون.
- ـ شهوات الدنيا يصاحب تحصيلها تعبٌ وانتظار، فالمزارع يحرث الأرض، ويستخرج الماء، ويجتهد في الزرع، ثم ينتظر النبات حتى يستوي، فالزراعة مشقة، والانتظار قلق، أما الجنة فشهواتها خالصة، لا نصب فيها ولا قلق ولا انتظار، فمجرد أن ألقى البذر استزرع واستحصَد، وصار آكاما مثل الجبال، فله من الزرع بهجته، وليس عليه نصبه ولا قلقه.
- ـ الكلام مع الله عز وجل في الجنة متاح لكل أحد من أهل الجنة، وكأنه مع الله وحدَه، فهذا الذي دعا قد أتاه الرد مباشرة من الله، فما إن قال: «يا رب أريد أن أزرع»، قال الله له: «ما حاجتك في الزرع؟!، أليس كل ما تريده أمامك؟!» فقال: «بلى ولكني أريد أن أزرع» قال: «دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء».
فهذا الحوار بينه وبين الله عز وجل، وكونه يكلم الله بما أراد ويأتيه الرد من الله مباشرة من أعلى نعيم أهل الجنة.
والمؤمنون في الدنيا يجدون لذة عظيمة عندما يخاطبون الله ويكلمونه وهم في سجودهم، ويشعرون بالقرب منه، مع أنهم لا يسمعون الجواب إلا إيمانا بالغيب، أما في الجنة فهو خطاب شهود، يكلم الله، ويستمع رد الله عليه، وهذا من أعظم النعم والنعيم حين يسأل العبد ربه فيجيبه، ويكلمه فيرد عليه، ويجري هذا الحوار بينه وبين ربه في هذا الشأن الذي هو إحدى شهواته العارضة، إن لذة هذا الخطاب أعظم من الشهوة التي يطلبها، والسعادة بهذا الحوار أعظم من السعادة التي سيحققها.
- ـ إن الله عز وجل عندما يجري هذا الحوار مع هذا الإنسان، فهو يجريه وهو أعلم به منه، فالله عز وجل عندما يقول له: «ما حاجتك يا ابن آدم؟» فإنه يعلم حاجته ويعلم أنه يريد المتعة فقط. ولكن الله عز وجل من مزيد لطفه بهذا الإنسان يحاوره هذا الحوار، وإلا لو شاء الله عز وجل لحقَّق له ذلك بمجرد أن يشتهيه، ولكن الله عز وجل يجري هذا الحوار معه مزيداً في الإيناس والإكرام ورفع المنزلة.
- ـ ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث شهوة مألوفة لنا في الدنيا؛ لأنها هي التي يمكن أن نتصورها، لكن هناك أنواعاً من الشهوات واللذائذ والرغبات التي ستخطر لأهل الجنة ويتنعمون بها، لكن لم تذكر لنا في القرآن لأنها ليس لها نوع في الدنيا. فذُكِرَت مجملة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ هَمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [السجدة: 17]. ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71].
فذكرت بإجمال لأنه ليس لها نوع في الدنيا فتقاس عليه، فهي فوق كل لذائذ الدنيا.
وإنما ذكر الله من نعيم الجنة ما له شبيه في الدنيا حتى يَقْرُبَ تصورُه لنا بما نَعلم، وأما حقائق ما في الجنة فلا مثيل لها في الدنيا، كما قال ابن عباس: ليس في الجنة مما في الدنيا شيء إلا الأسماء([1]).
- ـ لعل النبي إنما ذكر قصة الذي يزرع لأن الأنصار أصحاب زرع، وأما غيرهم فلهم متع أخرى تناسب أن تُذكر لهم، لكن الذي كان يناسب أن يذكر في المدينة هو الزرع لأنهم أصحاب زرع.
والمزارع يجد في الزراعة قوام عيشه وتحصيل قوته، كما يجد فيها متعته وسروره، وكما يرى أهل البادية الجمال في ماشيتهم حين يريحون وحين يسرحون فكذلك المزارعون يجدون البهجة والجمال في زروعهم، في نخيلها الباسقة وثمارها المتدلية، فذكر ﷺ لأهل الزراعة النعيم الذي يتشوَّفون له ويتذوقون بهجته.
- ـ هذا الحديث صورةٌ لتنوّع المجلس النبوي من حيث الحضور، ففيه القرشي والأنصاري، والحضري والبدوي، وكلهم له الحظوة والمشاركة، وتتنوّع فيه الأحاديث، ولذلك حدّثهم النبي ﷺ بهذا الحديث الذي جمع مع التشويق لنعيم الجنة الملاطفةَ والإيناس، بحيث يشعر كلُّ من حضره بأهميته وأحقيته في المشاركة، فهذا الأعرابي شارك وأبدى وجهة نظره في أن هذا المزارع ليس منهم، فتفاعل النبي ﷺ مع مشاركته، وضحك لها وأنس بها.
- ـ قارن بين شهوات أهل الجنة وأمنيات أهل النار، فشهوات أهل الجنة ليست عن حاجة، فهم يأكلون لا عن جوع، ويشربون لا عن ظمأ، ولكن لمزيدٍ من التلذذ والنعيم، ويشتهون الزراعة لا ليأكلوا ما زرعوا ولكن للتلذذ بمتعة الزرع، وشهواتهم تتحقق بمجرد أن يشتهوها بلا تعبٍ ولا انتظار، فلهم فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
أما أمنيات أهل النار فهي أمانٍ بائسة يائسة يتلهّفون لها ولا يدركونها، يقولون لبعضهم:﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 49]، فهؤلاء الماكثون في النار أحقابا يتمنون يوماً واحدا يخفف عليهم فيه العذاب فلا يُجابون، وينادون خازن النار: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، إن الموت هو أمنيتهم ولا يتمنى أحد الموت إلا لضُرٍّ أشد من الموت، ومع ذلك يحرمون هذه الأمنية ويكون الجواب ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ويقولون لأهل الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ [الأعراف: 50]. فيأتيهم الرد الـمُبكِّت ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]، فشتّان شتّان بين شهوات أهل الجنة وأمنيات أهل النار.
- ـ عندما يقول الله لعبده في الجنة: «دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ»، فإنه لا يلومه ولا يعاتبه، وإنما يفتح له أبواب الرغبات ليطلب ما يشاء، وينال ما يشتهي، فالمعاملة بين العبد وربه تقوم على الطمع وطلب المزيد، ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ [الشعراء: 51]، فالطمع مع الله محمود، لأنه معاملة مع الغني الكريم.
- ـ ما ذكره النبي ﷺ في هذا المشهد صورة من نعيم أهل الجنة، الذين قد تحقق لهم فيها كل ما يريدون، وأمنوا من كل ما يخافون، فكل احتياجاتهم قد تحققت، ومع ذلك يفتح الله لهم شهوات يشتهونها فتتحقق لهم ليتجدد سرورهم ويدوم نعيمهم، ولا يلحقهم ملالة ولا سأم فهم في الجنة في سرور متجدد﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 8].
([1]) «تفسير الطبري» (1/ 392).
إضافة تعليق جديد