قصص نبوية (6) – أحب أهلي إلي
في مجلس نبوي من مجالس الأنس الأُسري كان النبي ﷺ في بيته وحوله زوجاته وابنته زينب وابنتها أمامة، وكان ﷺ قد تلقى هدية من النجاشي فيها قلادة من جَزْع([1]) ملمعة بالذهب، فدفع ﷺ هذه القلادة إليهن، ثم قال: «كيف ترين هذه؟» فنظرن إليها، وقلن: ما رأينا أحسن من هذه قط ولا أعجب منها، فقال: «اُرْدُدْنَها إِلَيَّ»، فلما أخذها قال: «وَاللهِ لَأَضَعَنَّهَا فِي رَقَبَةِ أَحَبِّ أَهْلِي إِلَيَّ»، فأما نساؤه فقلن: ذهبت بها عائشة، وأما عائشة فقالت: أظلمت علي الأرض بيني وبينه، خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا قد أصابهن مثل الذي أصابني، ووجمنا جميعاً وجوم القلق، فدعا بأمامة وهي طفلة تلعب في جانب البيت بالتراب، فأُتي بها إليه، فوضع القلادة في رقبتها، وقال: «تَحَلَّي بِهَذِهِ يا بُنَيَّة»، قالت عائشة: فسُرِّي عنا جميعاً([2]).
ولنا مع هذا المشهد وقفات:
- ـ سعة علاقات النبي ﷺ، بحيث كان يتواصل مع الملوك، ويتبادل الهدايا معهم. فهذه هدية تأتيه من النجاشي، وهذه هدية تأتيه من المقوقس، ملك مصر، وهذه هدية تأتيه من يوحنا أمير دومة الجندل في شمال المملكة العربية السعودية الآن، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، فإذا تلقى هدية أرسل كفاءها، فكانت علاقات النبي ﷺ واسعة، وهذا مشهد من سعة علاقاته.
- ـ مراعاة النبي ﷺ للعدل بين زوجاته، فلم يؤْثر واحدة منهن، ومع أن عائشة أحبهن إليه، فلم يؤثرها بهذه الهدية، فما يملكه يعدل فيه، أما ما لا يملكه فقد عذره الله، ولذا قال: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ»([3]).
- ـ هدايا النبي ﷺ وعطاياه تأتي معها عطايا معنوية، يفرح بها المُعطى أعظم من الهدية نفسها، فقد كان من الممكن أن يخرج النبي ﷺ القلادة ويقول لزينب: «أعطي هذه لبنتك»، ولكن اختار أن يحفها بالعطايا المعنوية التي جاءت مع هذه القلادة فكانت أثمن منها، وذلك:
أولها: عندما رفع النبي ﷺ القلادة قال: «لأعطين هذه القلادة أحب أهل بيتي إلي» فهي هدية مقدمة في وعاء من الحب، إذ لم يسمِّ مَن سيعطيها، وإنما قال: «أحب أهل بيتي إلي»، حتى يسبق الإعطاء تشوف وتساؤل عن هذه المحبوبة فتحولت القلادة من كونها هدية إلى وسام شرف.
ثانيها: أنه لم يدفعها للبنت، ولم يعطها أمها، بل أتى بالبنية عنده، وتولى بيده الشريفة الكريمة تقليدها في عنقها.
ثالثها: أنه وهو يحليها قال لها: «تحلي بهذه يا بنيتي»، فأشعرها بالأبوة والقرب، وبهذا الأسلوب النبوي صارت الهدية هدايا، وصار ما يصاحبها من إيناس أعظم منها.
- ـ أريد أن نتخيل السيدة الكريمة والبضعة النبوية، زينب بنت النبي ﷺ، وهي جالسة تشاهد هذا وتعيشه، كيف كان شعورها؟ وما الذي يطفر في قلبها من الفرح أن بُنيَّتها بهذه المكانة من رسول الله ﷺ؟ فهذه الحفاوة بالبنية الصغيرة حفاوة بأمها، وإكرام لأبيها؛ لأن زينب سترجع بعد ذلك، وتحدث زوجها، وتروي له القصة بالتفصيل الجميل وتتشارك وإياه بهجة الفرح.
- ـ حطم النبي ﷺ جهالات الجاهلية، حيث كان العرب لا ينظرون بحفاوة إلى ابن البنت أو بنت البنت، ويقولون:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا * * * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وإذا بالنبي ﷺ يعتني بأبناء بناته وبنات بناته، ويلاطفهن هذه الملاطفة، ويعتني بهن هذه العناية ويعلن الحب والرعاية، ولك أن تقارن ذلك بحال أهل الجاهلية الذين إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: 59].
أما النبي ﷺ فإنه يبالغ في إكرام بناته، ويظهر حبه لهن، وعنايته بهن، ويظهر عنايته بأبنائهن وبناتهن، فحطم جهل الجاهلية وازدراءها للبنات، وأظهر من إكرام البنات والحفاوة بهن هذه المشاهد الجميلة.
أي مشهد من مشاهد البر بالبنات أعظم من هذا المشهد؟ وأي مشهد من مشاهد الرحمة بطفولة البنات أعظم من هذه الرحمة؟!.
- ـ إن هذا المشهد يقدم لنا درسا ثمينا في الأبوة، وأن البنات موضع للرحمة، وموضع للعطف، وكان النبي ﷺ في غاية الرحمة والعطف والتحنان على بناته.
أليس هو الذي أوصى بالبنات، فقال: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَين» وَضَمَّ أَصَابِعَهُ([4])؟.
وهو ﷺ ربَّى أربع بنات، فكان في غاية الإكرام لهن، وفي غاية الحفاوة بهنَّ، وفي غاية التحَنان عليهن.
إن الذي أمر برحمة البنات كان أرحم الناس ببناته، والذي أمر بالخيرية في التعامل مع الأهل كان خير الناس لأهله.
- ـ في قول النبي ﷺ: «أَحَبِّ أَهْلِي إِلَيَّ» من غير أن يعَيِّن هذا الأحب إثارة للقلق العاطفي، فكل مَن سمعته ستأخذها لهفة الطمع أن تكون هي الأحب، وستأخذها أيضا كُربة القلق أن يكون الأحَبُّ غيرَها، كما وصفت هذا الشعور عائشة رضي الله عنها فقالت: أظلمت علي الأرض خشية أن يضعها في رقبة غيري. وهو استفزاز بديع رائع، وفيه استثارة ولطف، ويعطي العلاقة العاطفية حيوية وإثارة، ويجعلها أكثر تشوقاً وتجددا، كما قال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربُّه *** وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتَّقي
***
([1]) جَزْع: خرز فيه بياض وسواد. ينظر: «النهاية» (1/ 269).
([2]) يُنظر: «مسند أحمد» (24704)، «المعجم الكبير» للطبراني (1080).
([3]) يُنظر:«سنن أبي داود» (2134).
([4]) يُنظر: «صحيح مسلم» (1914)، و«سنن الترمذي» (1914).
إضافة تعليق جديد