قصص نبوية (7) - ليلة الهرير
كانت فاطمة رضي الله عنها أصغر بنات النبي ﷺ وأحبهن إليه وأكرمهن عليه، ولما تزوجت انتقلت إلى بيت زوجها لتتحمل مسؤولية بيت الزوجية، وتعاني ما تعانيه المرأة في بيتها، وقد وصف زوجها عَليٌّ رضي الله عنه حالَها في بيتها فقال: جَرَّت فاطمة على الرحى حتى أثر في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في عاتقها، وكنست البيت حتى اتسخت ثيابها، وخبزت على التنور حتى أثر في وجهها، وقد جَهِدَها عملُ البيت على حداثة سنها، فبينا هي كذلك إذ بلغها أن النبي ﷺ قد قدم عليه برقيق للخدمة، فذهبت إليه تسأله أن يُخدِمها خادماً منهم حتى يكفيها بعض عملها ذلك، فلم تجد النبي ﷺ، فأخبرت عائشة بحاجتها ثم رجعت إلى بيتها، ولم يرجع النبي ﷺ إلى بيته إلا بعد العشاء، فأخبرته عائشة بمجيء فاطمة وحاجتها، فذهب ﷺ من فوره إلى بيت فاطمة، قال علي: فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا، وعلينا قطيفة إن تغطينا بها طولاً بدت جنوبنا، وإن تغطينا بها عرْضاً بدت أقدامنا، فذهبنا لنقوم فقال: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، ثم جاء فجلس بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، فسأل فاطمة عن حاجتها، فأخبرته، فقال: «أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ؟» قالا: بلى يا رسول الله،قال: «إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فسَبِّحَا اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَاه ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وكَبِّرَاه ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ، وَاللهِ لَا أُعْطِيكُما خادماً وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ».
قال علي في آخر حياته: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﷺ، فقال له عبد الله بن الكواء: ولا ليلة الهرير([1]) بصفين؟ قال علي: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم، ولا ليلة الهرير.
وفي هذا المشهد النبوي دلالات وعبر، منها:
- ـ بيان ما زُوِيَ عن النبي ﷺ وآله من زهرة الحياة الدنيا وزينتها، حتى إن ابنته وهي أحب أهله إليه، تبتذل نفسها في خدمة زوجها، وتلحقها هذه المشقة، ويأمرها بالصبر على ذلك كله، لأنه ﷺ لا يريد أن يرزأ الناس شيئاً من دنياهم: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: 90]، ليس هناك أجر دنيوي مقابل أداء الرسالة.
ولذلك عاش ﷺ مواسياً حالُه حالَ سائر المسلمين، إن جاعوا جاع معهم، وإن احتاجوا احتاج معهم، وإن قصرت بهم النفقة قصرت عليه، فما كان ﷺ ليستأثر بشيء من الدنيا على الناس.
- ـ إنَّ الإنسان مهما كان حازماً مع نفسه، لكنه يضعف أمام عاطفته، فقد يتحمل الجوع، لكنه لا يتحمل جوع أولاده، ويتحمل الرهق، لكنه لا يتحمل أن يرى ذلك في أبنائه وبناته.
وكان النبي ﷺ أمام امتحان عسير للعاطفة البشرية، فإن هذه ابنته، التي يقول عنها علي رضي الله عنه: «كانت مِن أكرم أهله عليه»([2])، وهي أصغر بناته، والتي يؤذيه ما يؤذيها، ويَرِيبه ما يريبها، لكن هذه العاطفة لم تكن لتحكم النبي ﷺ، وإنَّما كان الذي يحكمه ﷺ ورعه ومراعاته لأمر الله عز وجل.
وإذا وُجد هذا الثبات أمام العاطفة دل ذلك على أن هذا النبي ﷺ ليس بمتقول مدع، وإلا لواسَى ابنته، فمن سيعترض عليه أو يعارضه، لكنه لم ير أن لها حقاً في هذا المال فيواسيها به، وهذا التجرد لا تطيقه إلا نفس نبي مؤيَّد من الله عزَّ وجلَّ.
- ـ في هذا الحديث خدمة المرأة في بيت الزوجية وعنايتها بشؤون بيتها، وهذا من تكامل الأدوار بين الرجل وزوجته، فقد كان علي يخرج ويعمل، وهي تقوم بشؤون البيت، وكان هذا هو السائد في بيوت الصحابة، فهذه أسماء تذهب إلى الغابة حتى تأتي بعلف لفرس زوجِها الزبير، وهكذا أمهات المؤمنين كن يعملن في بيوتهن ويقمن بأعمالهن فيها كغيرهن من النساء.
وفي الحديث منقبة لفاطمة عليها السلام، حيث صبرت هذا الصبر ولم تتذمر أو تطالب زوجها عليا بخادم لمعرفتها بقلَّة ذات يده وتفهمها لحاله، وإنما سألت أباها ﷺ حين ظنت أنه يمكن أن يعينها بخادم مما جاءه.
- ـ قرب النبي ﷺ من ابنته وزوجها واهتمامه بأمرهما وعنايته بهما، فما إن أخبرته عائشة حتى ذهب من فوره، ولم ينتظر إلى الصباح، فذهب إلى بيتهما بعد العشاء، وقد أخذا مضجعهما، فقال: «مَكَانَكُمَا» ليبقيا تحت ستر الغطاء، ثم جلس بينهما حتى وجد عليٌّ رضي الله عنه برد قدمه ﷺ على صدره، وهو تعبير جميل لذيذ مُشعرٌ بالقرب والود.
- ـ خصوصية علي عليه السلام بالنبي ﷺ وقربه منه، حيث جلس ﷺ بينهما على فراشهما ، وقدمه وهو جالس تلاصق صدر علي وهو مضطجع حتى وجد عليُّ بردها على صدره، وفي هذا غاية المباشرة والقرب، وذلك أن عليا كان كالابن له ﷺ، وقد تربى تحت يده، فلا يحتشم من ذلك معه، لكنه لا يفعل مثل ذلك مع عثمان بن عفان الحيِيِّ أو أبي العاص بن الربيع رضي الله عنهما، لأنهما يحتشمان منه ﷺ، وهذا من اللياقة في التعامل مع كل أحد بما يناسب حاله وقرباه.
- ـ فضل هذا الذكر، ويقال قبل النوم فيكون ختاماً لليوم السابق وإعدادا لليوم اللاحق، وأنَّ في هذا الذكر استمداداً للعون والقوة من الله عز وجل، ولذا فإن من آثاره قوة النفس والروح، وإذا قويت النفس قوِي البدن، وكل ذلك مما يعين الإنسان على مشاق حياته، ولذا يُنصح بهذا الذكر لكل من عنده عمل يحتاج إلى طاقة نفسية أو بدنية أو علمية، فهذا الذكر له أثر في إمداد النفس بالقوة، لأن النبي ﷺ قال لهم: «هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». بحيث يستطيع مَن يحافظ عليه أن يؤدي ما لا يستطيع غيره أداءه.
قال ابن القيم: «الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في مشيه وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً»([3]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل ومن غيره»([4]).
وما ذكره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما إنما ذكروه عن تجربة وذوق، وبركة هذا الذكر وغيره من الأذكار ظهرت آثارها في حياة العلماء الموقنين الذاكرين، فبورك لهم في قواهم وأوقاتهم، وأنجزوا في أعمارهم ما تضيق عنه الأعمار، وتقصر عنه القوى، ولا نعلم لذلك سبباً إلا بركة الذكر والصلة بالله.
وكان ابن تيمية يجلس بعد صلاة الصبح يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: «هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا سقطت قواي»([5]). وإنك لَتعجب من هذه الكتب التي ألَّفها مع اضطراب الأحوال من سجن وجهاد ومناظرة وضراوة الخصوم، ومع ذلك ترك هذه الكتب التي لا تتسع الأعمار لنسخها، فكيف اتسع عمره لتأليفها؟ وقل مثل ذلك عن كثير من أهل العلم كان نتاجهم أوسع من أعمارهم، كابن حزم وابن عبد البر والنووي وابن حجر وغيرهم.
- ـ نلاحظ أن النبي ﷺ أرشدهما جميعا، مع أن السؤال جاء من فاطمة، ولكنه قال: «أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ؟»، كي يحافظا على الذكر جميعا، فعلي وفاطمة كلاهما بحاجة إليه.
- ـ نلاحظ مراعاة النبي ﷺ العدل وتقديم الاحتياجات العامة، ولذا آثَر أهلَ الصفة، وهم فقراء مهاجرون غرباء منقطعون للعلم والتعلم من رسول الله ﷺ قد لزموا النبي ﷺ على شِبَع بطونهم، واكتفوا عن رفاهية العيش بالقوت والكفاف، فكان لهم عنده ﷺ هذه الرعاية وهذه المكانة، حتى رأى أن حاجتهم أولى من حاجة ابنته فاطمة على شدتها، ورأى أن يبيع هؤلاء الخدم ويستعين بثمنهم في مواساة أهل الصفة وإطعامهم.
- ـ فيه بيان تلقي الصحابة توجيهات النبي ﷺ وأوامره بالمبادرة في التنفيذ والانضباط والاستمرار على ذلك العمر كله، ولهذا قال علي: «فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ». فقيل: ولا ليلة الهرير، وهي من ليالي حرب صفين، وكانت ليلة مهولة مذهلة، فظن السائل أنه شغل عن ذكره تلك الليلة، لكن عليا قال: ولا ليلة الهرير.
ومثل هذا خبر عبدالله بن عمر، حين قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» وكان شاباً لم يبلغ العشرين، فكان بقية عمره لا ينام من الليل إلا قليلا([6]).
وكذا حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، لما قال له النبي ﷺ: «يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، قال: فما زالت تلك طِعمتي بعد([7]). وهذا من كمال تعظيمهم لأمر رسول الله ﷺ، وحسن تلقيهم له، واقتدائهم بهدي النبي ﷺ، الذي إذا فعل شيئاً أثبته وكان عمله دِيمة.
- ـ حدث علي رضي الله عنه بهذا الحديث في آخر عمره في العراق، وهو خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، وفي دار حكمه وبين رجاله وجيشه، ومع ذلك جرُؤَ عليه ابن الكواء بهذا السؤال المتعنت، ولم يُجرئه على ذلك إلا ما كان يعلمه من عدل علي رضي الله عنه وحسن خلقه، فكان علي مع الناس كأحدهم، وهو أميرهم وأفضلهم، فيحدثهم بأمر من أموره الخاصة مع النبي ﷺ جرى على فراش الزوجية، ويتجرأ عليه مَن عنده بهذا السؤال المتعنت، وإلا فهَبْ أن عليّا ذهل عنه ليلة الهرير فما يُساوي فوات ليلة في مداومة دؤوبة نحواً من أربعين سنة؟! ومع ذلك فلم يستثر ذلك غضبَه ولا عقوبتَه، وإنما قال: «ولا ليلة الهرير». فرضي الله عنه وأرضاه، وسلام الله عليه وعلى زوجته وذريته، ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد.
***
([1]) ليلة الهرير هي ليلة مهولة من ليالي حرب صفين، استمر فيها القتال في النهار وامتد إلى الليل، فكان الفرسان يهر بعضهم على بعض، أي يصيح بعضهم ببعض حتى يُعرفوا، فسميت ليلة الهرير.
([2]) «مسند أحمد» (1313).
([3]) «الوابل الصيب» لابن القيم (77).
([4]) «الوابل الصيب» لابن القيم (97) .
([5]) «الوابل الصيب» لابن القيم (42).
([6]) يُنظر: «صحيح البخاري» (1121)، و«صحيح مسلم» (2479)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (3/ 215).
([7]) «صحيح البخاري» (5376)، و «صحيح مسلم» (2022).
إضافة تعليق جديد